فخر الدين الرازي

290

المطالب العالية من العلم الإلهي

الأول : إن الألف واللام في قوله : الْحَمْدُ لِلَّهِ يفيدان الاستغراق والاستغراق يوجب أن تكون كل المحامد والمدائح للّه . الثاني : إن العبد لو كان هو الموجد للإيمان والطاعات ، لكان فعله أحسن من فعل اللّه تعالى . لأن أشرف المخلوقات هو العلم والإيمان . ومن كان فعله أشرف من فعل غيره ، كان استحقاقه للحمد أعظم من استحقاق غيره فلو كان الايمان حصل بإيجاد العبد ، لوجب أن يكون استحقاق العبد للحمد ، أكمل من استحقاق اللّه له . وذلك يقدح في صحة قولنا : الْحَمْدُ لِلَّهِ . الثالث : إنه تعالى إذا فعل فعلا ، فذلك الفعل إما أن يكون في حقه من الواجبات ، مثل : إعطاء الثواب والعوض ، أو لا يكون من باب الواجبات ، بل يكون من باب التفضل . فإن كان الأول فقد تخلص ذلك الفعل عن استحقاق الذم . فهو تعالى إنما فعل ذلك الفعل ليتخلص عن هذا الضرر ، فلا يوجب الحمد . وإن كان من القسم الثاني فهو تعالى إنما فعله ليكتسب له نوع فضيلة وكمال ، فلا يكون إحسانا محضا . فوجب أن لا يستحق الحمد بسببه . أما على مذهبنا فإنه لا يجب عليه شيء ، ولا يكتسب بفعل شيء مريد محمدة ولا فضيلة ، فكان إحسانا محضا . فلا جرم كان موجب الحمد والمدح . الرابع : إن قوله الْحَمْدُ لِلَّهِ : مدح منه لنفسه ، ومدح النفس مستقبح فيما بين الخلق . ولما بدأ كتابه بمدح النفس دل ذلك على أن حاله بخلاف حال الخلق ، وأنه يحسن منه ما يقبح من الخلق ، وذلك يدل على أنه تعالى مقدس عن أن تقاس أفعاله على أفعال العباد . وذلك يبطل مذهب الاعتزال بالكلية . فثبت : أن قولنا : الْحَمْدُ لِلَّهِ لا يتم إلا على قولنا . والله أعلم